الخميس، 10 مايو 2012

التعليم بالمغرب: تسع ملاحظات (من أجل مخطط نضالي استعجالي دفاعا عن المدرسة العمومية)

يونس الحبوسي
  عضو أطاك المغرب

التعليم خدمة اجتماعية بمعنى أنه قطاع يروم تلبية الحاجة الإنسانية المشتركة لإبداع ونقل المعارف لفائدة أجيال جديدة.
    شكل تلبية هذه الخدمة ومراميها بتوقف على شكل النظام الاجتماعي والاقتصادي السائد وعلاقات القوى فيه.
    فهو يكون خدمة عمومية في اللحظة التي تستطيع فيها القوى العمالية والشعبية ردع المنطق الرأسمالي. وآنذاك تكتفي الطبقات السائدة بجعل المدرسة أداة لإعادة إنتاج سيطرتها.
    وفي حالة اختلال التوازي لصالح القوى الطبقية المستغلة تسعى هذه الأخيرة إلى إخضاع التعليم ومعه كل الخدمات العمومية لمنطقها. منطق السوق الذي يكون فيه أرباح الرأسمال هي المحدد ومعه بالتالي إعادة إنتاج موسعة لنظام الاستغلال.
أما في حالة انتصار القوى الطبقية المستغلة تسعى بدورها إلى إخضاع التعليم إلى منطق خدمة المجتمع ككل في إبعاده كافة: الرمزية ـ القيمية ـ الاقتصادية ـ البيئية...

ـ بمعنى تعليم خاضع لرقابة وتخطيط ديموقراطيين لحاجة تقدم المجتمع.
    هذا بالضبط هو ملخص تاريخ الصراع حول المدرسة المغرب، منذ تأسيس أول لجنة لإصلاحه عام 1957 إلى حدود المخطط الاستعجالي.
    هنا لا بد من تسجيل أربع ملاحظات:
الأولى: في كل السنوات الخمسين السابقة كانت الدعاية الرسمية تتمركز حول أن كل شيء على ما يرام وأن المغرب سائر في طريق التقدم. إلا في نقطة واحدة هي التعليم (وباقي الخدمات العمومية): فخطاب الأزمة ملازم للخطاب الرسمي. ما كان يعكس تبرما واضحا من الشكل الذي يتخذه التعليم في المغرب كخدمة عمومية... لهذا لم يكن مطروحا في أجندة الحاكمين تعميمه لسببين: إيديولوجي: كما عبر الملك الراحل عن ذلك بوضوح.
اقتصادي: الرفض الحازم للطبقات السائدة الاقتطاع من فوائضها وتوجيهها نحو القطاعات الاجتماعية.
الملاحظة الثانية: منذ مناظرة إفران الثانية مرورا بمخططات التنمية (81 ـ 83).(88 ـ 92) كان هناك تركيز على مسألة تمويل التعليم، اتخذ في المرحلة الأولى شكل تقليص الميزانية (تناغما مع برنامج التقويم الهيكلي) عبر ما سمى ب "ترشيد نظام التعليم في شروط تستطيع المالية العمومية تحملها. كانت تلك المرحلة مرحلة ربط تمويل التعليم بحاجات أولوية تسديد الديون الخارجية.
الملاحظة الثالثة: 
    منذ اتخذت تقارير البنك الدولي حول المغرب طابع موضوعاتيا (thématique). بداية بالتقرير الشهير سنة 1995 (السكة القلبية) وما تلاه، وصولا إلى التقرير الأخير (الطريق الغير مسلوك). دخلنا مرحلة جديدة عبر عنها الميثاق. الذي كان عنوانه الأبرز تجاوز المقاربة الرسمية السابقة (تقليص عدد المستفيدين من نظام التعليم) إلى مقاربة جديدة تروم "إضفاء الطابع الجماهيري على المدرسة" أي ما سمي داخل الميثاق بتعميم التعليم برفع المؤثرات الكمية للتمدرس وذلك بغية للوصول غايتين:
ـ الوصول الأعداد كبيرة من الوالجين "لسوق الشغل" بحد أدنى من التأهيل.
ـ توسيع سوق الاستهلاك الذي ـ حسب البنك الدولي ـ ترتفع مؤشراته كلما ارتفع مستوى التعليم هذه المحطة يسميها الميثاق ربط التعليم بمحيطه الاقتصادي بمعنى آخر ربط المدرسة بالسوق. لكن ذلك لا يمكن أن يتم مع استمرار استنزاف ترواث البلد عبر آلية الديون الخارجية، وما يعنيه من الاستمرار في سياسة إخضاع تكاليف تمويل الخدمات العمومية لأولوية التسديد.
هنا أقترح الميثاق آليات بديلة للتمويل نلخصها في:
ـ إقرار رسوم التسجيل وربط المنح الدراسية بما يسميه الاستحقاق.
ـ فرض ضريبة وطنية حول التعليم.
ـ إسهام الجماعات المحلية والمقاولات في التمويل.
ـ استجداء إعانات وهبات.   
الملاحظة الرابعة:
    اتخذ المولود الجديد المسمى "برنامجا استعجاليا" في مضمونه، أهدافه، طريقة صياغته شكل جديدا:
ـ لغة ليبرالية سافرة: بحيث لم يسع واضعوه إلى تمويه طبيعته، مما يعكس عمق اختلال موازين القوى.
ـ أهداف معلن عنها بشكل واضح
ـ طريقة صياغته: اللجوء إلى مكتب للدراسات لوضع المشروع على غرار باقي المشاريع (المخطط الأزرق. المخطط الأخضر...)
ما البرنامج الاستعجالي؟
    أنزل البرنامج الاستعجالي بعد صدور تقريرين:
1)   تقرير البنك الدولي الذي وضع النظام التعليم في نفس ترتيب دجيبوتي والعراق المدمر. وأقترح خطاطة لإنجاح إصلاح التعليم متمحورة حول مكونات ثلاث:
ـ هندسة التعليم: الموارد المالية ـ المناهج والتدريس ـ التمويل والإدارة.
ـ الحوا فز: ربط النواتج بالمكافآت أو ربط الأجر بالمردود.
ـ المساءلة العامة.
    وشخص الداء في كون التمويل الخاص للتعليم متواضع نتيجة التزام دول المنطقة بالمجانية.
2)   تقرير المجلس الأعلى للتعليم الذي كان رجع صدى لتقرير البنك الدولي، ووصف أزمة التعليم بكونها:
ـ أزمة حكامة: ليس هناك "تحفيز" للمدرسين باعتبار أن الترقية تتم بالأقدمية.
ـ أزمة تمويل: اعتبر أنه هناك ضعف في الإنفاق التربوي (في حين أن كل الحديث السابق كان يدور حول أن الإنفاق التربوي مرهق ومكلف).
    جاء البرنامج الاستعجالي ليجيب على هاتين النقطتين باقتراحه 23 مشروعا موزعة على أربعة أبواب هي:
ـ التحقيق الفعلي لإلزامية التعليم إلى غاية 15 سنة: أي استكمال أوراش "إضفاء الطابع الجماهيري على المدرسة" (10 مشاريع).
ـ استكمال تأهيل الثانوي وتحسين التعليم العالي. (4 مشاريع).
ـ مواجهة إشكالات تدبير المنظومة: (حل أزمة الحكامة). (7 مشاريع).
ـ توفير وسائل النجاح: الحل النهائي لإشكالية تمويل التعليم. (مشروعان).
    وهنا أورد الملاحظات الخمس التالية:
الأولى: يستعمل البرنامج كلمة/مفهوم العرض التربوي عند حديثه عن التعليم التأهيلي والعالي وهو استعمال غير مسبوق في الحقل التعليمي المغربي وتحيل مباشرة و صراحة على ثنائية العرض والطلب كما هو متعارف عليها في كل سوق.
    بمعنى أنه هناك "سوق تربية" في الثانوي والعالي الذي هو إلزامي وبالتالي مرتبط بالقدرة على الأداء/الشراء.
الثانية: يستعمل البرنامج كلمة العرض المدرسي عند الحديث عن الابتدائي والإعدادي وهنا يميز البرنامج بين "المصلح التي تشكل جوهرة الوظيفة التعليمية" بمعنى التدريس. "والمصلح التي لا تشكل جوهر الوظيفة التعليمية" بمعنى الداخليات ـ المطاعم المدرسية ـ النقل المدرسي،... أي بمعنى أدق هناك عرض مدرسي خاضع لمنطق السوق في جوانبه التي "لا تشكل جوهر الوظيفة التعليمية".
الملاحظة الثالثة:
    وهذه المرة تخص الجوانب التي يراها العديد من مسؤولي منظمات النضال العمالي والشعبي ايجابيات في البرنامج، أعني بذلك: إصلاح البنيات التحتية ـ الصيانة ـ توفير النقل ـ تعميم التعليم الأولي ـ تعميم الاعداديات بالوسط القروي ـ المدرسة الجماعية ـ الداخليات الجديدة.
    إن معظم هذه "الايجابيات" ربطت في البرنامج بما سماه "توفير وسائل النجاح" أي منظورة لحل إشكالية التمويل. هذا الحل يقوم حسب البرنامج.
1)   تفويض ما سماه البرنامج "المصالح التي لا تشكل جوهر الوظيفة التعليمية" إلى جهات خارج المنظومة: تدبير الداخليات ـ الأمن والحراسة ـ النقل ـ الصيانة والترميم ـ البناء ـ الفضاءات الخضراء ـ المطاعم... بمعنى خدمات مؤدى عنها تستهدف تحقيق الربع لمقدميها.
2)   إحداث صندوق لدعم التعليم المدرسي (الابتدائي والإعدادي): تتم تغذيته من قبل فعاليات المجتمع بمعنى إثقال كاهل المواطنين بمصاريف جديدة تنضاف إلى موجة الغلاء...
3)   تنمية العرض التربوي الخصوصي:
ـ إشراك المبادرة الخصوصية في تدبير مؤسسات مدرسية قائمة.
ـ تفويض تدبير مدارس عمومية للقطاع الخاص (خوصصة مدارس قائمة).
ـ والنقطة التي تعتبر إسترتيجية: تطوير نموذج جديد ومتكامل "للعرض التربوي الخاص" ينتظم حول متدخلين خواص من حجم كبير باستطاعتهم تغطية التراب الوطني. بمعنى خلق سوق كبير للتعليم بالمغرب.
الملاحظة الرابعة:
    اعتبر واضع البرنامج أن ما سماه "توفير وسائل النجاح" (الحل النيوليبرالي لإشكالية التمويل) يستدعي "إستراتيجية وطنية للتواصل الداخلي والخارجي" تشمل ندوات ولقاءات وبرامج دورية في الإذاعة والتلفزيون. إن الغرض من ذلك إقناع الناس بما لا يمكنهم الاقتناع به إلا باعتماد إستراتيجية قصف العقول كما يفعل الإشهار التجاري.
الملاحظة الخامسة:
    المدرسون والإداريون أو ما يسميه الخطاب "النيوليبرالي" الموارد البشرية هي التي ستنفذ البرنامج. كحل لأزمة الحكامة اعتبر البرنامج أن القيام بتدبير مثالي للوظائف والكفاءات مرتبط (1) بإرساء العمل بالتعاقد: (2) لا مركزة تدبير الموارد البشرية (3) ربط الأجر بالمردود.
    وهكـــذا:
ـ سيتم توظيف الأطر التربوية على الصعيد الجهوي.
ـ هذا التوظيف سيكون على أساس العقدة بناء على أنظمة وقوانين خاصة بالأكاديميات.
ـ إضافة ساعتين إجباريتين بالضرورة (لربح المزيد عن المدرسين).
ـ إدخال مفهوم المدرس المتحرك: الذي يعني تعيين المدرس حسب الجهة وليس في مؤسسة معينة وجعله رهن الإشارة في أي وقت داخل الجهة ككل: ضرب الاستقرار.
ـ اعتماد مسار جديد لولوج ما يسميه البرنامج "مهنة التربية".
    يشمـــل:
1)   3 سنوات من التكوين بالمسالك الجامعية للحصول على إجازة.
2)   اجتياز مباراة المراكز الجهوية للتكوين.
3)   سنتان من التكوين يتم الحصول بعدها على شهادة المركز التي لا تعني التوظيف بل تخول العمل بالقطاع الخاص أو الالتحاق بالتدريس على أساس عقد عمل (التوظيف التعاقدي) لمدة 3 أو 4 سنوات دون ترسيم وبعده اجتياز امتحان شهادة الأهلية لولوج الوظيفة.
    بمعنى: فرط استغلال ـ هشاشة ـانعدام استقرار.
    يتضح من هذه القراءة السريعة للبرنامج الاستعجالي أن هدفه المعلن هو تحويل المدرسة نفسها إلى سوق: زبائنه التلاميذ، عماله هم المدرسون بضاعته هي ما يسمى بالكفايات ومستثمروه هم هؤلاء الذين يملكون رأس المال وحكومة رأ س المال.
ما العمل؟
    على القوى المناضلة أن ترد بمخطط نضالي استعجالي لا يقبل التردد أو التأجيل. فالحاكمون حزموا أمرهم ومروا إلى السرعة النهائية في السباق نحو تفكيك آخر قلاع الخدمات العمومية. وهذا يتطلب رؤية إستراتيجية قوامها:
1)   إعادة بناء النقابة على أسس وحدوية ـ ديموقراطية ـ كفاحية.
2)   بناء حركة مناهضة للعولمة بالمغرب تناضل ضد تسليع الخدمات العمومية ومن أجل إلغاء الديون. حركة مناضلة من أجل مغرب آخر أضحى ضروريا.
3)   توحيد نضالات الطلاب ومركزتها كشرط لإنجاز نوعي في مواجهة البرنامج الاستعجالي.
4)   تفعيل الجبهة الوطنية للدفاع عن المدرسة العمومية وفي القلب منها النقابات وفيدراليات جمعيات آباء وأولياء التلاميذ بتسطير برنامج نضالي مركزي يروم إسقاط البرنامج.
    وعمل استعجالي قوامه تنظيم حملة للتشهير بالبرنامج يشكل موازي مع حملة التضليل التي ستقوم بها الدولة. والرفع على رايتنا كقوى مناضلة أن تمويل التعليم لا يمر عبر جيوب كادحي هذا الشعب بل باعتماد سياسة ضريبية أخرى بإقرار ضريبة تصاعدية على الدخل والثروة لتمويل الخدمات العمومية ومن أجل أن تكون مجانية وجيدة.

- مداخلة في الندوة الإشعاعية  حول موضوع: "التعليم في المغرب، بين الهجوم الليبرالي والمقاومة الاجتماعية"14/02/2009