عبد القادر مرجاني
عضو أطاك تطوان
السياق
العام لتحرير الخدمات العمومية
يأتي
تحرير الخدمات العمومية ضمن هجمة عامة للرأسمال على العمل على المستوى العالمي،
فالأزمة الاقتصادية التي شهدتها البلدان الرأسمالية المصنعة في منتصف السبعينات، انفجار
أزمة مديونية بلدان العالم الثالث في سنوات الثمانينات، أفول نجم نماذج السياسات
الاقتصادية التنموية، فشل الأنظمة البيروقراطية في الشرق مع نهاية سنوات
الثمانينات، مثّلَ وضعا عالميا، صاحبه صعود قوي للإيديولوجية الليبرالية، فهيمنت
بشكل واسع على الفكر الاقتصادي والسياسي بعد تراجعها سنوات ازدهار الرأسمالية (من
1945 إلى 1975) والتي اعتمدت خلالها مجموعة من البلدان سياسات كينزية، كحلول لأزمة
النظام الرأسمالي )سنوات
الثلاثينات( دون المساس بركائزهٍٍ, هذه السياسات التي اعتمدت في أساسها على التدخل النشيط للسلطات العمومية.
فللرفع من الطلب، عملت الدول في هذه البلدان على الرفع من نفقاتها، اعتماد سياسات
الاستثمارات العمومية الواسعة، الرفع من التشغيل.. وبذلك الدفع بالاقتصاد نحو
النمو. شهدت هذه المرحلة أيضا إرساء وتوسيع أنظمة الحماية الاجتماعية في إطار
"دولة الرعاية"، تأمين أو تأميم الخدمات العمومية الشبكية الكبرى وخلق
وضع خاص لأجرائها، مع اعتماد تعريفات جد متدنية تمكن فئة عريضة من الولوج إليها.
هذه السياسات أدت إلى إعادة توزيع اجتماعي للثروة.
تراجع
دور الدولة وتفكيك مجالات تدخلها.
موجة
الهجوم الليبرالي ابتدأت بتطبيق عدة بلدان لسياسات حكومة تاتشر وإدارة ريغان
لسنوات الثمانينات، مفادها أن السوق الحرة هي الكفيلة بالرفع من الإنتاجية والنمو
الاقتصادي وجودة الخدمات وبالتالي يجب الدفع، إلى أقصى حد، بتخلي الدولة عن
مراقبتها للأسواق المالية والاستثمارات، تفكيك سوق الشغل (إعدام القوانين التي
تحمي العمال من التسريح، التخلي عن الحد الأدنى للأجور...)، إلغاء كل مراقبة
تمارسها دول الجنوب على مواردها الطبيعية وإلغاء كل الحواجز أمام الاستثمار الخاص
في الخدمات وبذلك خلق فضاءات أخرى لتثمير الرأسمال ومحاولة إنقاذه من أزمته (في
إنكلترا مثلا تم تحرير الاتصالات سنة 1984، الغاز 1986، الماء والكهرباء 1990،
السكك الحديدية 1996 ...).
المطلوب
من دول الجنوب
المستهدف
هو تدخل الدولة في مجالات عديدة، فمنذ سنوات الثمانينات، عمل البنك العالمي والى
جانبه صندوق النقد الدولي على تدبير أزمة المديونية ووضع سياسات التقويم الهيكلي
والتي في طورها الأول تعمل على إضعاف نفقات الدولة على جميع المستويات: الأجور،
الاستثمارات، الخدمات... وبخصوص الخدمات الاجتماعية، تؤكد المؤسسات المالية أنه من
الضروري تغطية كلفتها من طرف المستهلكين، أما في طورها الثاني فتفرض رفع كل عائق أمام
تحرير التجارة، تحرير الخدمات المالية والعمومية (وهذا أيضا ما تعمل عليه منظمة
التجارة العالمية من خلال AGCS)، خوصصة الشركات العمومية، تفكيك أنظمة الحماية الاجتماعية...
ويشجع البنك العالمي هكذا سياسات "بقروض التقويم الهيكلي"، "قروض
التقويم القطاعي" وبرامج لمحاربة الفقر "تدبير الفقر". هذه
السياسات جعلت بلدان الجنوب ترزح تحت ديكتاتورية المؤسسات المالية العالمية وتفاقم
من مديونيتها وتجعلها مرتعا لتنمية أرباح الشركات المتعددة الجنسيات.
الخدمات
العمومية من التشريك إلى التفكيك-الخوصصة.
الخدمات
العمومية التجارية (الشبكية)
من
"الاحتكار الطبيعي" إلى "الاحتكارات العالمية المتعددة
الجنسيات"
يقصد
بالخدمات التجارية تلك التي يستفاد من خدماتها بتأدية تعريفة محددة (الماء،
الكهرباء، الاتصالات، البريد...) ولها كلها ميزة مشتركة حيث تعد خدمات شبكية، وهذه
ليست مصادفة نظرا للمردودية العالية للشبكة: فمثلا لتوزيع عدد من الكيلوات في
مساحة معينة، مؤشر النفقات ينتقل من 1 إلى 1.4 إذا كانت الجهة الموردة واحدة، أما
إذا كانت هناك جهتان متنافستان فالمؤشر ينتقل من 1 إلى 2 أي ترتفع قيمة النفقات
إلى الضعف وبذلك فالمردودية ترتفع كلما ازداد عدد المشتركين في الشبكة الواحدة ومن
ثمة تأتي المصلحة في الاحتكار والذي يظهر بشكل طبيعي، ومن هنا نتحدث عن
"الاحتكار الطبيعي" الذي يأتي كانعكاس لتدني الكلفة كلما ارتفع عدد
المستفيدين والمنخرطين في الشبكة، وهذا من شأنه الاقتصاد في النفقات (économie d'échelle) مع الحفاظ على نفس مستوى
الجودة (الفاعلية والفعالية)[1].
إلا أن خوصصة هذه الخدمات وتحكم الشركات العملاقة في توزيعها وإخضاعها لميكانيزمات
السوق، جعل كل هذه المفاهيم تأخذ معنى مقاولاتي ومحكومة بنسبة الأرباح التي يستأثر
بها الرأسماليون، فالهدف ليس استفادة البشر (الذين يصبحون زبائن) من الحاجيات
الأساسية، بل أرباح المساهمين في الشركة وبذلك لم يعد مكان "للاحتكار
الطبيعي" بعد ظهور "احتكارات عالمية متعددة الجنسيات" تسيطر على
هذه الخدمات في شتى بقاع العالم: تركز كبير لعدة موارد في أيدي الشركات المتعددة
الجنسيات، تشكل شركات جد عملاقة عبر موجة اندماج تغزو كل القارات، تشكل تكتلات
لتقاسم الأسواق...[2]
من
"معادلة التعريفات" إلى "التعريفة حسب الكلفة"
لا تباع
كل خدمة حسب كلفتها الحقيقية، فالتعريفة منفصلة عن الكلفة بوجود معادلة تتيح إعادة
توزيع تعريفي بين مختلف فئات المستفيدين مع معايير جودة موحدة. فمثلا رغم ارتفاع
كلفة ربط قرية جبلية نائية بشبكة الماء أو الكهرباء، يستفيد السكان من الخدمة بنفس
التعريفة المحددة لباقي ساكنة مناطق أخرى جرى ربطها بالشبكة، بكلفة أقل، وأصبحت
مردوديتها عالية بعد اتساع دائرة ساكنتها المنخرطين، مما يعني نوعا من التضامن
الاجتماعي بين فئات متعددة. كما يجري تطبيق هذه المعادلة بين خدمات مختلفة، حيث
الخدمات ذات المردودية الأكثر من المتوسط تمول الخدمات ذات المردودية الأقل من
المتوسط، أو الخدمات ذات المردودية تمول خدمات لا مردودية لها وضرورية لتلبية
الحاجات الاجتماعية لفئات عديدة من السكان.
بعد
تحرير الخدمات وخوصصتها تؤول التعريفة إلى الكلفة بل يصبح لها سعر انتاج و سعر
سوق، مما يكسر قاعدة العمل بهذه المعادلة وبالتالي حرمان وإقصاء نسبة كبيرة من
الاستفادة. الولوج إلى الخدمة الشبكية بتعريفة متدنية أو بالمجان، يكون مصدرا للظاهرة
المسماة Externalite
positive publique[3] والتي يعد "مفعول الشبكة" ـ effet de réseau ـ إحدى ميكانيزماتها.
فأهمية الاستفادة من خدمة ما، من طرف أحد الأفراد، تكون مرتبطة بعدد المستفيدين
الآخرين. مثلا، التراسل بالبريد الإلكتروني، يصبح ذو فائدة، إذا ما كان هناك عدد
آخر ممن يمكن لهم تلقي أو بعث رسائل، فالتعريفة المتدنية تشجع آخرين على الالتحاق
بمن سبقوهم، للاستفادة من الخدمة واستعمال نفس تقنية التواصل، فيتنامى عدد
المستعملين باستمرار، مما ينعكس إيجابا على المجتمع ككل (فسرعة التواصل وجودته
باستخدام البريد الإلكتروني تساهم في خفض الوقت اللازم لتبادل المعلومة بين فروع
الإنتاج، المؤسسات، الباحثين، الأجراء، الطلاب...). إلا أن ظاهرة كرة الثلج هذه،
تصبح صعبة التحقيق تلقائيا إذا كان سعر الخدمة عاليا.
من
"المصلحة العامة" إلى "المصلحة الاقتصادية العامة"
في خضم
موجة الهجوم الليبرالي تم تعويض مفهوم "خدمات المصلحة العامة" بمفهوم
"خدمات المصلحة الاقتصادية العامة" والذي مفاده أن التدبير الجماعي أو
العمومي، يكون عائقا أمام تلبية هذه الخدمات وتطوير جودتها، في حين تعد السوق
الميكانيزم الفعال لتوريدها. لم يكن إقحام ما يسمى "المصلحة الاقتصادية"
دلالة على إضفاء طابع العقلانية والفعالية في التسيير، بل إدخال الخدمات العمومية
لدائرة المنافسة الرأسمالية.
من
"الخدمة العمومية" إلى "الخدمة الكونية" المزعومة
استعارة
من القانون الأمريكي، أصبح توظيف مفهوم "الخدمة الكونية" مصاحبا لعملية
تحرير الخدمات ويعرّف "كمجموع الخدمات ذات جودة معينة، يحق لجميع المواطنين
الولوج إليها بسعر ملائم"، في هذا التعريف يغيب تحديد ما سمي بـ"السعر
الملائم"، كما أن استفادة "جميع" المواطنين، تعني القادرين على
شراء هذه الخدمة بثمن يساوي هذا "السعر الملائم" المبهم ولا تعني مبدأ
المساواة الذي يغيب عن التعريف الليبرالي للخدمة الكونية.
الخدمات
العمومية الغير التجارية
هذه
الخدمات تمول من صناديق عمومية تمول بدورها من عائدات الضرائب (كالتعليم،
الصحة،...).
من
"المنفعة الجماعية" إلى "المنفعة الخاصة".
يرتكز
مفهوم المنفعة الجماعية على مبدأين متلازمين: مبدأ "اللاإقصاء" (non-exclusion) ومبدأ
"اللامزاحمة" (non-rivalité)
مع بداية
تحرير الخدمات العمومية وتفويتها، نسف هذين المبدأين، فقد تم إقصاء فئات عديدة ممن
كانوا يستفيدون من الولوج إلى هذه الخدمات بالمجان. أما مبدأ
"اللامزاحمة" (استفادة فرد من خدمة لا تعرقل إمكانية استفادة آخرين)
كالتقاط موجة الراديو أو قنوات تلفزية، استعمال الشبكة الطرقية، الولوج إلى
الشواطئ، الولوج إلى المدرسة... فقد تم فصله عن مبدأ "اللاإقصاء" حيث أن
الحد من المستهلكين بفرض ولوج الخدمة عبر الأداء (bien de club)، يقصي من ليست لهم القدرة على دفع الثمن، حتى وإن كان المستفيدون
لا يزاحمون بعضهم (الأداء للولوج إلى المدرسة، لاستعمال الطرق السيارة، للاستفادة
من الشواطئ أو للحصول على شفرة بث تلفزي,الاستفادة من ماء الساقية...).
من
"الخدمة العمومية الغير التجارية" إلى "التبضيع"
يعمل
الرأسمال عبر عدة أدوات ومن ضمنها AGCS على تحرير هذا النوع من الخدمات وتبضيعها (جعل التعليم والصحة
سلع) ومن ثمة إدخالها إلى سوق المتاجرة العالمية، حيث تفرض هذه الاتفاقية على
البلدان الموقعين عليها، الأعضاء بمنظمة التجارة العالمية، رفع كل الحواجز أمام
موردي هذه الخدمات، لإحكام القبضة عليها وضمان حماية استثماراتهم: إتاحة تنقل
الرساميل بحرية، إتاحة تنقل الأشخاص "المبعوثين داخل الشركة" أو في
"سفر أعمال" دون عراقيل قانونية، إتاحة تنقل الأشخاص للاستفادة من الخدمة
"اقتناء البضاعة"، وقف تقديم الدعم العمومي لكونه يخل بمبدأ المنافسة
"الحرة"، المعاملة المتساوية بين الموردين الأجانب والمحليين والمعاملة
بالمثل لموردين منحدرين من بلدان مختلفة، مما سيؤدي إلى مزيد من تركز الأسواق في
أيدي القليل من الشركات العملاقة والتي تستأثر بالحصة الكبيرة من السوق العالمية.
تجعل
بنود AGCS من هذه الخدمات بضاعة تخضع
لقوانين السوق (المنافسة، العرض، الطلب، السعر...) وموضوع تجارة عابرة للقارات.
من جهة
أخرى، فاتفاقيات التبادل الحر تسرع من وتيرة تحرير الخدمات وفتح الطريق أمام
الموردين الأجانب للنفاذ إلى الأسواق وفق أحكام AGCS.
سيرورة
تحكم الرأسمال في الخدمات العمومية (طوران وثلاث مراحل)
الطور
الأول:
·
تحرير الخدمات المالية وخوصصة المؤسسات المالية.
هذه كانت مسبقا مندمجة في اقتصاد السوق، وبالمرور إلى تطبيق سياسات الخوصصة، كانت
أول ما تخلصت منه الدولة لصالح الرأسمال.
·
تحرير وخوصصة الخدمات الشبكية ويمكن التمييز بين
ثلاث فئات:
-
فئة لعبت فيها التكنولوجيا الجديدة دورا مهما في
القضاء على "الاحتكار الطبيعي"، وكانت أول ما استهدفه الرأسمال باعتباره
المسيطر على هذه التكنولوجيا، هذا ما يتجلى في "الاتصالات"، فتواجد عدة
شبكات ساهمت في ظهورها التكنولوجيا الجديدة (الأقمار الاصطناعية، الألياف البصرية،
إضافة إلى الشبكة الهرتزية)، أدى إلى تسريع وثيرة تفكيك القطاع، بل كانت خوصصة
خدماته مدخلا لتحرير خدمات أخرى.
-
فئة يكون فيها "الاحتكار الطبيعي" في
مقدمة تزويد الساكنة بالخدمة. مثلا ماء الصنبور في حالة التزود بالماء الصالح
للشرب. فماء البئر أو الماء المعبأ يصبح ثانويا عند الربط بشبكة قنوات المياه. أو
في مثال آخر، لا يعد الغاز منافسا، في حالة الإنارة، إذا ما تم الربط بالشبكة
الكهربائية. هذه الفئة، وفي غياب منتوج منافس بشكل واضح ومباشر، تحمل إمكانية
واسعة للاستئثار بالأرباح وغالبا ما يتم تفويض تدبيرها لشركات خاصة(على مستوى
الانتاج اوالتوزيع او هما معا )، أما الوسيلة المتخذة لضمان "أسعار
ملائمة" هو وجود العقدة أو دفتر التحملات الذي أثبتت تجارب عديدة لا جدواه
أمام أطماع الشركات في تحقيق فائض متنامي من الأرباح مما جعله وسيلة لا تحول دون
الرفع من الأسعار ولا تضمن جودة الخدمة.
-
فئة لا يكون فيها "الاحتكار الطبيعي"
في مقدمة تقديم خدمة معينة. فشبكة السكك الحديدية مثلا، ليست الوحيدة في تقديم
خدمة النقل،فهناك أيضا الشبكتين الطرقية والجوية. تؤدي خوصصة هذه الخدمات إلى
أخطار عديدة، فللتفوق في السوق (المنافسة) وتقديم أسعار منخفضة مع جني الأرباح،
غالبا ما يتم تقديم الخدمة بشكل رديء، مما يهدد سلامة المستفيدين والعمال على حد
سواء (مثلا، تفويت خطوط النقل بالقطار مع إهمال البنية التحتية لشبكة السكك الحديدية
وإشارات المرور يتسبب في العديد من حوادث القطارات).
الطور
الثاني:
تحرير
وتبضيع الخدمات الغير التجارية:تحرير التعليم،الصحة، تفويت المؤسسات الجامعية،
المعاهد، المدارس، المصحات...
وبموازاة
مع الطوران معا يجري التخلص من الخدمات التي توفرها الجماعات المحلية لصالح
الخواص.
المرحلة
الأولى:
مرحلة
إنجاز الدراسات من طرف خبراء مكاتب الدراسات الأجنبية وتأهيل القطاع بتمويل يتم
عبر القروض، المساعدات العمومية للتنمية أو المال العام.
المرحلة
الثانية:
الفصل
بين أنشطة كل صنف من الخدمات، فصل البريد عن الاتصالات، فصل المناولة (الشحن
والتفريغ) عن الخدمات التقنية (الجر وإرساء السفن، القيادة) وعن خدمات المسافرين
في صنف خدمات الموانئ[4]،
فصل الخدمات على الأرض l'assistance
au sol[5] في مجال النقل الجوي عن باقي الأنشطة الأخرى،
فصل الإرساليات في البريد عن الخدمات المالية، فصل خدمات نقل المسافرين عن إصلاح
وتأهيل البنية التحتية للسكك الحديدية... يصاحب هذا التفتيت استهداف لوضع الأجراء
وتعريضهم للهشاشة، التفييء، إعادة الانتشار، تحت ذريعة ما يسمى التدبير الناجع
للموارد البشرية. هذا الفصل يمكن أن يأخذ شكل تفكيك المؤسسة العمومية إلى وكالة وطنية
وشركة تملكها الدولة تتم خوصصتها بعد ذلك.
المرحلة
الثالثة:
التفويت
إما سيأخذ شكل التدبير المفوض أو الخوصصة. تستأثر كل شركة بقطب من أقطاب صنف معين
من الخدمات وغالبا ما يكون القطب ذو الأنشطة الأكثر مردودية.
ما البديــل؟
لا بديل
سوى تلبية الخدمات العمومية للسكان، للجميع وبشكل جيد. هذا الهدف خيار مجتمعي
يلزمه تنظيم المقاومة ضد كل السياسات الليبرالية التي تخدم مصالح مالكي الرأسمال
والنضال من أجل:
-
إلغاء الدين العمومي الخارجي، فالديون آلية من
آليات تحويل ثروات بلدان الأطراف إلى بلدان المركز وتسديدها يحرم شعوب بلدان
الجنوب من الخدمات الاجتماعية الأساسية.
-
فرض ضرائب مباشرة على الدخل المرتفع والثروات
الكبرى وأرباح الشركات، فالنظام الضريبي يمكن له أن يؤدي بطريقة اشتغاله إلى إعادة
توزيع للثروات وتشريك للأرباح، وبنهج سياسات عكس هذا الاتجاه يحصل عجز في ميزانية
الدولة تعوض عنه بتقليص في النفقات، فإذا ما تم التوازن من جديد خُلق العجز
باعتماد نفس السياسات السابقة للتوازن وبعد ذلك يتم تقليص النفقات من جديد، يؤدي
هذا إلى مفاقمة أكثر فأكثر لوضعية الأجراء وفي نفس الوقت يقلص من تدخل الدولة في
المجال الاقتصادي والخدماتي ويؤدي إلى انسحابها من تمويل القطاعات الاجتماعية
فاتحة المجال للخوصصة والتدبير المفوض. فالخوصصة ليست حلا للوضع المتردي للخدمات
بل يُخلق وضعا مترديا للتخلص من هذه الأخيرة لصالح مالكي رؤوس الأموال.
-
تدبير ديمقراطي عمومي، لا سبيل سوى النضال من أجل
خدمات عمومية مرتكزة على مبدأ التضامن، كبديل لتحكم السوق في الحاجات الأساسية
لعموم الكادحين والمحرومين، لكن في نفس الوقت لا يمكن الدفاع عن تقديم خدمات بشكل
موسع مع القبول بتواجد جهاز بيروقراطي، جد تراتبي، يتحكم في القرارات بعيدا عن
القاعدة المستفيدة. وبذلك لا بديل عن مساهمة المستهلكين في تقرير نوعية الخدمات
التي توافق حاجاتهم الاجتماعية ومستوى جودتها وتخفيض ساعات عمل الأجراء حتى يتسنى
لهم المساهمة بشكل ديمقراطي في اتخاذ قرارات تخص التسيير والتدبير.
-
القطع مع إملاءات مؤسسات الرأسمال العالمي، التي ترهن بلدان
الجنوب بنموذج التنمية الليبرالية المعتمد بشكل كلي على الصادرات التي تنمو بدلالة
تخفيض الأجور إلى أدنى مستوياتها وتهميش السوق الداخلية، هذا النموذج الذي يفتح
الباب على مصراعيه للاستثمارات الخارجية الغير المراقبة.
-
التحرر من سيطرة الشركات المتعددة الجنسيات.
فالتملك الاجتماعي للخدمات العمومية يبتدئ بتعبئة دائمة داخل النقابات والحركات
الاجتماعية ضد أطماع الشركات المتعددة الجنسيات وتحكمها في مصير الخدمات
الاجتماعية.
يجب
تفادي الدفاع عن الدولة كأن مضمونها الاجتماعي محايد وتدخلها إيجابي بشكل عام، فهي
أداة هيمنة في يد الطبقات المسيطرة بدول الجنوب، تقوم بدور قمع الحركات الاجتماعية
وتضمن للرأسمال تحقيق مزيد من فائض القيمة بشكل مريح، وبذلك لا يمكن بأي وجه كان
ترك المجال لليبراليين لانتقادها، فالليبرالية عند استهدافها الدولة، فإنها تهاجم
فقط جانب التضامن الجماعي الذي لا زالت تضمنه، هذا الجانب لا يتوجب النضال، فقط،
اجل صونه، بل النضال أيضا لتوسيعه.
------
* مداخلة في إطار ندوة نضمت ضمن أشغال الجامعة الربيعية لأطاك المغرب أبريل 2008 بالدار البيضاء
[1] الفاعلية: تحقيق الأهداف بأقل
الوسائل الممكنة.
الفعالية: البلوغ إلى الأهداف في الوقت
المحدد وبالجودة المحددة.
[2] * اندماج La lyonnaise des eaux و Suez سنة 1997 وسيطرة العملاق الجديد Suez – Lyonnaise على سوق الماء وامتلاكه سنة 2000 بنسبة 100 ./. لشركة SITA ليصبح من المحتكرين العالميين لخدمات النظافة وتدبير المطارح، وتعزيز سيطرته على مجال الطاقة، إلى جانب شركات أخرى كـRWE الألمانية، عند ابتلاعه لمجموعة الطاقة البلجيكية Tractebel
بعد عملية ادماجها سنة 2003 مع الشركة العامة البلجيكية وخلق عملاق أقوى Suez – Tractebel .
*
استئثار Veolia Environnement أيضا، بجزء كبير من السوق العالمية لخدمات الماء، النظافة، الطاقة، النقل. .
* تشكيل
تكتلات واعتماد توافقات حول تقاسم الأسواق لإزاحة المنافسين أو نهج سياسة بيع
المنتوج بأقل من تكلفته وتحمل الخسارة لفترة معينة إلى حدود إقصاء كل المنافسين من
السوق. (Dumping)
[3] يعني
استهلاك الفرد ينعكس إيجابا على كل مجتمع، فالتعليم المجاني – كخدمة غير تجارية –
يتيح تكوين العديد من الأفراد وتهييئهم لخدمة المجتمع على جميع المستويات.
[4] في المغرب جرى تقسيم مكتب
استغلال الموانئ وخلق الوكالة الوطنية للموانئ وشركة استغلال الموانئ التي تتولى
الأنشطة التجارية ويهيأ حاليا لتفويتها. أما الشركة المغربية للملاحة COMANNAV فقد جرى تفويت حصة
الدولة فيها سنة 2007 لصالح المجموعة الفرنسية CMA-CGM ثالث أكبر مجموعة عالمية في مجال
النقل البحري.
[5] جرى تفويت هذه الخدمة سنة 2004
في كل من مطار الدار البيضاء، مراكش، أكادير، إضافة إلى تحرير النقل الجوي منذ سنة
2004 وتسريع وتيرته سنة 2006 عبر اتفاقية Open Sky المبرمة مع الاتحاد الأوروبي.
