الخميس، 10 مايو 2012

الاتفاقية العامة لتجارة الخدمات أداة لتبضيع التعليم



ترتفع منذ سنين أبواق الليبرالية مطالبة بتفكيك التعليم العمومي، بذريعة أن المنظومة التعليمية المحررة من مراقبة الدولة والمنقسمة إلى وحدات صغيرة مستقلة ومتنافسة تستجيب أكثر إلى متطلبات الأوساط الاقتصادية وتساير التحولات السريعة في ميدان التكنولوجيا. إنه وجه آخر من أوجه الهجوم الليبرالي على قطاع الخدمات العمومية على المستوى العالمي، والذي تعد الاتفاقية العامة لتجارة الخدمات (AGCS) إحدى أدواته.

AGCS وشرعنة الغزوة على الخدمات العمومية (التعليم كنموذج)
دخلت AGCS ـ الموقعة بمراكش من طرف 124 دولة، بتاريخ 14 أبريل 1994، سنة التوقيع على نص الاتفاقية المؤسس لمنظمة التجارة العالمية (OMC) ـ حيز التطبيق ابتداء من 1 يناير 1995، يبقى أن سيرورة تنفيذ مقتضياتها تلزمه سلسلة من المفاوضات المتتالية (وفق ما تنص عليه المادة 19 من AGCS)، أولها كان مرافقا للمفاوضات حول AGCS (1993 – 1994)، اتخذت على إثره عدة دول (خاصة دول الشمال)، مجموعة التدابير الأولى لتطبيق بعض ما نصت عليه الاتفاقية، في مجموعة من القطاعات، لتنطلق بعد ذلك سلسلة ثانية من المفاوضات سنة 2000.
عمل الاتحاد الأوروبي إبان المؤتمر الوزاري الرابع لمنظمة التجارة العالمية للدوحة سنة 2001 على اقتراح مقاربة "العرض والطلب"، فالطلب يعني أن يؤدي كل بلد للدول الأعضاء بمنظمة التجارة العالمية لائحة تخص القطاعات التي ترغب في تحريرها، إلا أنه اتضح بعد انتهاء الأجل المحدد لإيداع الطلبات (30 يونيو 2002) والعروض (31 مارس 2003)، أنها لم ترق إلى مستوى تطلعات عالم الأعمال ولهذا تقدم الاتحاد الأوروبي خلال المؤتمر الوزاري بكانكون سنة 2003 بمشروع بيان وزاري تضمن توصيات مفادها الضغط على الدول لتقديم عروض أكثر، أو التحسين من عروضها السابقة واعتماد مجموعة قوانين تنظيمية (وفق ما نصت عليه المادة 4 من AGCS) تؤطر مجال الإعانات[1] لكي لا تصبح هذه الأخيرة معرقلة للمنافسة التجارية وخرقا للمادة XVII من AGCS والتي تتطرق للمعاملة الوطنية[2]. لكن فشل مؤتمر كانكون ـ بسب عدم الاتفاق حول فتح الأسواق الزراعية الأوروبية والأمريكية في وجه مجموعة 20 ـ أدى إلى تأجيل اعتماد النقط التي تضمنها هذا البيان إلى يوليوز 2004 خلال المجلس العام لمنظمة التجارة العالمية بعد مفاوضات تطرقت أيضا إلى مقاييس تفعيل المادة X الخاصة بـ"الوقاية المستعجلة" (Sauvegarde d’urgence) ـ تعني اتخاذ إجراءات طارئة للوقاية من خطر مورد أجنبي، شريطة تبريرها، وإخبار مجلس تجارة الخدمات بها، والذي يبقى له الحق في دراستها والتأشير عليها، مما يعني أن استخدامها لن يكون إلا لصالح الشركات العملاقة.ـ والمادة XIII الخاصة بالأسواق العمومية[3]، لم تحد طموحات الشركات المتعددة الجنسيات عند هذا المستوى، بل استمرت في الضغط على الدول لتسريع وتيرة الهجوم من أجل تحرير أسواق الخدمات العمومية، ليقدم الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية واليابان، بالإضافة إلى بعض الدول الأخرى، أواخر سنة 2005، اقتراحات ضاغطة أكثر تتجاوز مقاربة "العرض والطلب" وتذهب إلى حدود التعارض مع المادة XIX من AGCS والتي تنص على إتاحة الفرصة للدول الأعضاء للبرلة أقل عدد من القطاعات بشكل يناسب أهدافها السياسية والاقتصادية، وتضمن هذه الاقتراحات منهجية ذات أهداف كمية وأخرى ذات معايير نوعية ومقترح لاعتماد طريقة المفاوضات الجماعية.
الأهداف الكمية: ترتكز هذه المنهجية على ضرورة أخذ الدول المصنعة لالتزامات جديدة أو التحسين من التزاماتها السابقة على الأقل في 139 قطاع فرعي من أصل 163، في حين يلزم على البلدان "السائرة في طريق النمو" أن تأخذ بهذا المبدأ على الأقل في 93 قطاعا فرعيا، وبهذا المقترح لم تبق أي إمكانية إمكانية للبلدان لتحرير قطاعاتها بوتيرتها الخاصة، بل حدد سلفا العدد اللازم للنفاذ بشكل واسع إلى عدد كبير من الأسواق.
المعايير النوعية: طالب واضعوا هذا المقترح، لضمان لبرلة نوعية، أن يكون فتح أسواق القطاعات الفرعية مصحوبا بمرونة تتخلل الأشكال الأربعة لتجارة الخدمات. فبالنسبة للشكل الأول[4] تم التأكيد على ضرورة أخذ البلدان الأعضاء تدابير من شأنها إلغاء طلب أي تواجد تجاري، (أنظر التوضيح حول الشكل الثالث) وفي ارتباط بالشكل الثاني[5] فالمطلوب أن لا توضع له أي حدود، في حين اقترحت الولايات المتحدة الأمريكية بخصوص الشكل الثالث[6] تخصيص نسبة 51% لمورد أجنبي لضمان معاملة متساوية بين المستثمر الأجنبي والمحلي. وأخيرا وفي علاقة بالشكل الرابع[7]، طالب الاتحاد الأوروبي والهند، الراغبة في تصدير عمال ذوي مهارات، بالتزامات تخص "موردي الخدمات بالعقدة" و"المهنيين المستقلين"، وبقوانين أكثر مرونة بخصوص مدة إقامتهم، تنقلهم بين الفروع، عبر إلغاء اختبارات الحاجات الاقتصادية[8] (TBE).
المفاوضات الجماعية: (من اقتراح اللجنة الأوروبية)
تعني التفاوض حول اتخاذ التزامات من مستوى عالي في بعض القطاعات أو القطاعات الفرعية التي تستأثر باهتمام "كتلة محددة" من البلدان الأعضاء بمنظمة التجارة العالمية، وعلى الدول المهتمة أن تستعمل شبكات (جداول) تحدد عليها نوع هذه القطاعات وحجم الالتزامات. مقاربة "المفاوضات الجماعية" ستهمش مقاربة "العرض والطلب" وستصبح البلدان المنتمية إلى "الكتلة المحددة" لها السبق في تقرير وتحديد القوانين الضابطة لفتح أسواق بعض قطاعات الخدمات وفقا لمصالح شركاتها العملاقة، مما سيقوي أكثر من تركز الأسواق. فقطاع التعليم لن تسيطر عليه سوى القلة من الشركات والتي تستأثر عليها بالجزء الكبير من الكعكة (sylvan-inter, Bouygues, Rebook, AXA).
رغم رفض مجموعة كبيرة من الدول (مجموعة الدول الإفريقية، مجموعة الدول النامية...) لهذه الاقتراحات، هيأت رئاسة مجلس تجارة الخدمات، (CCS) مشروع نص وزاري يتضمن أغلبها، قدم خلال مؤتمر هونكونغ الذي انعقد شهر دجنبر 2005.
إن اعتماد المفاوضات الجماعية سيسرع من وتيرة النفاذ إلى أسواق التعليم الهائلة، لكن توريد الخدمات التعليمية تواجهه إشكالية الاعتراف بالشواهد والديبلومات، وهذا ما تحاول المادة VII[9] من AGCS الإجابة عنه.
إن المادة VII من AGCS هي إحدى المفاتيح الأساسية للبرلة التعليم:
1-   الاعتراف بالشواهد يتم لصالح المورد، باعتبار أن البلدان ملزوم عليها أن تكون مرنة إلى الحد الأقصى في تحديد شروط قبول الدبلومات وهذا طبعا في صالح المورد الذي يحتاج إلى هذا الاعتراف من أجل جلب الزبائن المستفيدين من تجارته.
2-   هذه الدبلومات تمتد إلى جميع المهن، بما فيها المهن التعليمية (أساتذة، مدرسين، مؤطرين...)، فإذا ما تم اعتراف بلد (ب) بدبلوم تدريس ممنوح في بلد (أ) (من طرف مورد أجنبي) على أساس معايير محددة وجب تعميم هذا الاعتراف إلى دبلومات التدريس الممنوحة في البلدان الأخرى (سيتم ذلك تحت إشراف مجلس تجارة الخدمات) وإلا مثُل البلد (ب) أمام ORD في حالة وضع شكاية من طرف المورد. فهل يا ترى يمكن لأي مدرس أن ينجز مهامه داخل البلد (ب)؟ خصوصا وأن البلد الأخير وضع قواعد جد مرنة للقبول بدبلومات التدريس مهمشا الجانب الثقافي واللغوي والذي لا يدخل في إطار ما يسمى "المعايير الأساس"، ألن يكون الهاجس في توظيف المدرس أجره ومدة عقده؟ ليس غريبا إن كان تعليم العولمة لا يعير أي اهتمام للخصوصيات الثقافية واللغوية بل مدمرا لها ما دام الهدف مكننة المتعلمين وتكوين مدرس آلي محور تقييم عمله "الفاعلية-الكلفة"، وإعداد جيش المنضبطين والمطيعين للرأسمال.
3-   مرونة حركة الديبلومات من بلد إلى آخر، تذكي المنافسة في ما بينها، وبالتالي تضع بين أيدي الشركات المتعددة الجنسيات عددا كبيرا من العمال والموظفين المضطرين للعمل في شروط الهشاشة والمرونة، وفي حاجة دائمة لتجديد صلاحية ديبلوماتهم بتكوين مدى الحياة. لن يسلم المدرسون طبعا من هذا الوضع.
4-   تستفيد شركات الطاقة، الإعلاميات، البناء والتجهيز، الاتصالات، الصيدلة... من المادة VII، حيث ستستثمر في تعليم يمنح دبلومات ذات مقاييس تستجيب فقط لحاجياتها والتي سرعان ما ستعمم لتصبح "معايير أساس" على المستوى الدولي.
ماذا سيتبقى بعد تحرير قطــاع التعليم؟
مدارس ابتدائية وثانويات "عمومية" تفتقد لأدنى شروط التحصيل والدراسة فيها تؤدى عنها رسوم تسجيل مكلفة، سوق لوازم تستنزف أجورا هزيلة، عدد كبير من الطلاب والتلاميذ تلفظهم المؤسسات التعليمية خارجها لصعوبة مسايرة تحمل تكاليف الدراسة، طلبة تبلعهم دوامة القروض الممنوحة لهم من الأبناك لتمويل تعليمهم، أساتذة ومدرسون يعانون الأمرين أمام مهام مستحيلة، ناهيك عن تفكيك وضعهم المهني ونسف حقوقهم الاجتماعية. هذا ما سيتبقى لبناء الشعوب بعد سطو الشركات متعددة الجنسيات على التعليم وانسحاب الدولة من تمويله، فبالنسبة لمنظمة التجارة العالمية، البنك العالمي، منظمة التعاون والتنمية الإقتصادية، التعليم العمومي عاجز عن منح تكوين يساير حاجيات عالم الشغل والتطور التكنولوجي السريع، لذلك لا يوجد خيار آخر سوى فتح المجال للاستثمار الخاص وعدم عرقلة المتاجرة في التعليم، أما ما تبقى من "تعليم عمومي"، فتمويل الجزء الكبير منه يجب أن يتحمل مسؤوليته الطلاب والمتعلمين أو يتم عبر البحث عن شراكات مع المقاولات التي لا هم لها سوى جعل المؤسسات التعليمية موقعا للحرب الاقتصادية وأداة لها، أو شراكات مع جمعيات ومؤسسات غير حكومية (غالبا ما تكون متخصصة في منح قروض صغرى)، أو لا يتبقى للدولة سوى التخلص من المؤسسات التعليمية العمومية بخوصصتها أو التخلي عن تسييرها عبر عرضها للتدبير المفوض.
وإذا ما تم الاطلاع على الوثائق الخاصة لهذه المنظمات المتعلقة بقطاع التعليم، يتم العثور على ترسانة من المفاهيم: اقتصاد المعرفة، الرأ مال البشري، الفاعلية، الحكامة، الجودة، التعليم مدى الحياة، التعليم الإلكتروني (e-learning)... والتي تخفي وراءها النوايا الليبرالية للإجهاز على قطاع التربية والتكوين، فمثلا نجد أنها تعتبر مقاربة "التعليم مدى الحياة" أفضل إجابة على الضرورات الاقتصادية (اقتصاد مبني على المعرفة) وعلى حاجيات سوق الشغل (الطلب على المهارات والقدرات المتجددة)، حيث تمكن من إغناء مخزون المعارف والكفايات أي بمعنى آخر الزيادة في ما تسميه "الرأسمال البشري". يختزل هذا المفهوم النشاط الإنساني إلى بضاعة والقدرات الإنتاجية إلى قدرات فردية مخفيا الطابع الجماعي والمشترك للسيرورات الإنتاجية والدور المحوري للعمل البشري في الإنتاج، هذا العمل ليس بضاعة وليس رأسمالا بل نشاطا اجتماعيا تنميته وتطويره يستلزم تأطيرا جماعيا وديمقراطيا.
إن ضرورة موافقة التعليم لمتطلبات سوق الشغل تكشف المنظور الليبرالي للتربية والتكوين التي يراد لهما أن يخدما مصلحة الرأسمال. فرغم أهمية التعليم والتكوين في الرفع من إنتاجية العمل، إلا أن اقتصادا قائما على الاستغلال لن يحتاج إلا إلى تعليم نفعي يوفر له مؤهلات لن تجد مكانا لها في "سوق الشغل" إن لم يكن باستطاعتها تجديد نفسها عبر الإنفاق على تكوينها مدى الحياة من المهد إلى اللحد والقبول بشروط عمل تتسم بالهشاشة وفرط الاستغلال (هذا ما يسمى الرفع من التشغيلية Employabilité).
إن للتعليم أبعادا أخرى، فعبره يتهيأ الفرد لخدمة المجتمع والمساهمة من موقعه في تسيير ومراقبة ثرواته والتقرير في مصيرها بشكل جماعي وديمقراطي ويتم إعداده للعمل على وضع السياسات العامة التي تخدم مصالح البشرية وتحمي بيئتها وكوكبها، هذه الغايات يلزمها تعليم متعدد المعارف وشامل. من هنا تأتي ضرورة التمويل العمومي، بما يكفي لضمان تعليم جيد للجميع وبالمجان.

الهوامش:

[1]  الإعانات: مادة XV   Les subventions 
ما هو نوع الإعانات الغير مقبولة؟ هذا السؤال يبقى معلقا، المهم أن مهندسي AGCS يرون أنه في بعض الشروط، هذه الإعانات يمكن أن يكون لها ضرر على تجارة الخدمات، فلا يمكن منح الدعم للتعليم العمومي مثلا، لأن هذا سيضر بمبدأ المنافسة الذي تنادي به الشركات الخاصة. 
[2]  المعاملة الوطنية: Traitement national
تلزم على كل دولة أن تعامل في كل القطاعات التي تحددها AGCS (ومن بينها التعليم والصحة...)، موردي الخدمات الأجانب بنفس الطريقة التي تعامل بها مورديها الوطنيين دون تمييز، فإذا قررت دولة ما أن تطبق AGCS في قطاع التعليم، فيجب عليها أن تعامل الشركات الأجنبية المالكة لمؤسسات تعليمية، الأساتذة والباحثين الأجانب... بنفس الطريقة التي تعامل بها مورديها الوطنيين لهذه الخدمة. وبهذا يحق للمورد الأجنبي أن يقود هذه الدولة إلى العدالة في حالة ثبت تقديمها لدعم مالي مثلا، للمورد الوطني لأنه يعد معرقلا لحرية المنافسة ولتجارة الخدمات. فمنظمة التجارة العالمية تضم جهاز تسوية المنازعات (ORD) « L’organe de reglement des différents »، والتي تعد الهيئة القضائية العليا في الميدان التجاري العالمي، حيث تتيح قراراتها لشركات الدول الأعضاء أن تمارس إجراءات معاكسة لقرارات دولة ما، والتي من شأنها حماية قطاع ما (التعليم العمومي مثلاà من سطوة الرأسمال، (أنظر المادة XXIII) في حين لا يمكن لدولة متضررة أن تهاجم شركة ما أمام ORD، بل يجب أن تتجه نحو سلطاتها القضائية، وفي حالة كان الحكم لصالحها يمكن للشركة أن تعود لـORD لتأخذ قرارا مضادا ومعاكسا يكون نهائيا !!!
[3]  الأسواق العمومية: Marchés publics
تستثني هذه المادة تطبيق المادة 2 "مبدأ الدولة الأولى بالرعاية"* والمادتين 16 و 17 عند شراء الحكومات خدمات لسد حاجات السلطات العمومية، ويُلزَم تطبيقها إذا كانت هذه الخدمات موجهة للبيع من جديد أو ستستخدم لتوريد خدمات موجهة للبيع التجاري، في هذه الحالات الأخيرة، يعني ذلك، فتح "الأسواق العمومية للخدمات" أمام المنافسة العالمية. وفي هذا الصدد يأتي تحرير سوق الكتاب المدرسي وسوق المقررات الدراسية.
* "مبدأ الدولة الأولى بالرعاية" (Traitement de la nation la plus favorisée)
يعد من المبادئ والأحكام العامة التي يتضمنها الجزء الثاني من AGCS ويقصد به قيام كل دولة عضو بمنح الخدمات وموردي الخدمات من أي دولة عضو أخرى فورا ودون شروط، معاملة لا تقل رعاية عن تلك التي تمنحها للخدمات وموردي الخدمات من أي دولة أخرى. يجب أن تتوفر إجراءات تحرير قطاع التعليم التي تحددها الحكومات على مقاييس "الشفافية". لن تكون النتيجة سوى مزيدا من تركز أسواق الخدمات بأيدي قلة من الشركات العملاقة والتي تهيمن لحدود الآن على أكثر من 80% من التجارة العالمية، لن تكون سوق التعليم سوى في قبضتها.
[4]  الشكل الأول: "توريد الخدمات العابر للحدود" Mode1 : Fourniture de services transfrontières
يقدم المورد الخدمة دون تواجده على ارض زبونه بالنسبة للتعليم، يدخل في هذا الإطار بيع الوحدات الدراسي عبر شبكة الإنترنت (e-learning)، فتكنولوجيا الإعلام والتواصل NTIC تمكن الشركات المتعددة الجنسيات المالكة للجامعة الافتراضية والأقسام الافتراضية والمؤسسات التعليمية الخاصة من بيع التعليم في مناطق مختلفة من العالم دون الحاجة إلى فصل أو مدرس (إنها السوق التي تفتح شهية شركات بائعي الحواسيب والبرامج)، كما تتيح لها جعل التعليم والتكوين خدمة يلزم شراؤها من المهد إلى اللحد عبر تطوير الأنظمة التعليمية نحو ما يسمى "التعليم مدى الحياة" لتجديد المهارات والقدرات وتكييفها مع "سوق الشغل". لن يتمكن الفرد من تنمية معارفه أو تأهيله للحصول على شغل إن لم يكن قادرا على الدفع لأرباب شركات صناعة التعليم طول حياته !!
إن هذا النموذج من التعليم، يضخم من الوحدات الدراسية المرتبطة بالتسيير والتسويق والتجارة... مقابل شبه إعدام للمعارف، إضافة إلى إعطائه الأولوية للتواصل عبر الوساطة التقنية الذي لا يمكن أن يكون بديلا عن التواصل الإنساني. إن تكنولوجيا الإعلام والتواصل تفتح آفاقا كبيرة لتدويل المعارف وتوسيع دائرة البحث العلمي وتبادل الخبرات والتجارب، لكن في ظل الرأسمالية، لا تسمح هذه التكنولوجيا بالنفاذ إلى المعارف بشكل ديمقراطي. فتخلف الدول النامية في مجال Tic وكلفة هذه الأخيرة وصعوبة استعمالها ستحرم الفئات الشعبية من الاستفادة منها وستعمق من الفوارق بين المتعلمين.
لن تلعب هذه التكنولوجيا دورا في توفير تعليم جيد ما دامت تسيطر عليها الشركات المتعددة الجنسيات التي تهيمن أيضا على مضمون التعليم الذي يمنح بواسطتها. سيعمل هذا النموذج على تنميط المدرسين ومكننة عملهم، سيؤدون مهامهم بنموذج Télétravail، حيث سيشرف المدرس على عدد كبير من المتعلمين عبر العالم، بالاشتغال على حاسوبه، من حجرة صغيرة، في مكان ما من أي بلد، وستربطه بمشغله عقدة عمل محددة، وسيخضع لقانون شغل البلد الذي أنجز فيه الجزء الكبير من عمله "عقدة عمل أوفشور"، وسيتقاضى أجره بعملة هذا البلد. النتيجة، مزيدا من الضغط على الأجور، مزيدا من الهشاشة، مزيدا من الاستغلال.
[5]  الشكل الثاني: "الاستهلاك في الخارج" Mode2 : Consommation à l’étranger
يقصد به في قطاع التعليم، متابعة الطلاب لدراستهم في بلد أجنبي واعتبارهم حاملي صناعة المؤسسات التعليمية التي تلقوا فيها تكوينهم.
[6]  الشكل الثالث: "الحضور التجاري" Mode3 : Présence Commerciale
إعطاء الحق لمورد خدمات أجنبي للاستثمار فوق أرض بلد آخر، (خلق جامعات، معاهد، مدارس...)
[7]  الشكل الرابع: "تواجد الأشخاص الطبيعيين" Mode4 : Présence des personnes phisiques
ويقصد به انتقال الأشخاص من بلد إلى آخر إما للعمل أو لتوريد خدمة داخل بلد آخر، هذا الشكل يميز بين 5 فئات: "الأشخاص المبعوثين داخل شركة"، "أشخاص في سفر أعمال"، موردي الخدمات بالعقدة"، "المهنيين المستقلين"، "آخرين". يرفض الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية توسيع الشكل الرابع ليشمل فئة العمال نصف المؤهلين والغير المؤهلين، كما يطالب الاتحاد الأوروبي بإضافة فئة "المتدربين من داخل المقاولات"، لتسريع التحاق المتكون بسوق الشغل وتشغيله في وضع متدرب، مما يعني الاستفادة من يد عاملة مؤهلة لا تكلف شيئا. دول الجنوب التي لن تتفوق في منافسة دول الشمال في ميدان تجارة الخدمات، يعوضها خبراء AGCS بامتياز مفترض: نحن سنستقر ونتاجر عندكم وأنتم ستصدرون يد عاملة مؤهلة أو ذوي خبرات مهنية ! فإن كانت نماذج قليلة من بلدان الجنوب كالهند قد استطاعت أن تنافس في الفئة الثالثة والرابعة من الفئات المذكورة أعلاه، فهل الدول الأخرى، الغارقة في تسديد الديون والخاضعة للمؤسسات المالية الدولية، ستتمكن من ذلك أيضا؟! هل سياسات الخوصصة وضرب القدرة الشرائية وتفكيك الخدمات الاجتماعية العمومية ستتيح تكوين مؤهلات ومهارات تتنافس في السوق العالمية؟!! إنه وهم لن يخفي توسع قاعدة المعطلين، وأغلبهم استفادوا من تعليم لمدة قصيرة، أو تكوين هش لن يضعهم سوى في خانة العمال الغير المؤهلين أو في أقصى الحالات عمال نصف مؤهلين، محرومين من حقهم في الهجرة، في سعي دائم، داخل بلدانهم، وراء مناصب شغل غير مستقرة وهشة، عند شركات متعددة الجنسية تستوطن عندهم في مناطق للتبادل الحر أو مناطق الأوفشور. عند الحديث عن التعليم، فإن هذا الشكل (تواجد الأشخاص الطبيعيين) سيتيح الانتقال بسهولة للأساتذة والباحثين والمؤطرين والمستثمرين في قطاع التعليم من بلد إلى آخر.
[8]  اختبارات الحاجات الاقتصادية: Testes de besoins économiques TBE :
عند تحديد بلد معين لالتزاماته ونوع القيود التي يضعها أمام تحرير خدمة معينة (القيود المنصوص عليها في المادة 16 ـ النفاذ إلى الأسواق ـ)، يمكن أن يشترط إجراء اختبار الحاجة الاقتصادية للحد من عدد موردي الخدمات أو من مجموع عدد الأشخاص الطبيعيين الذين يجوز توظيفهم والذين يعتبرون ضروريين لتوريد خدمة معينة. تضغط الدول ذات الاقتصاديات القوية باستمرار لإلغاء اختبارات الحاجات الاقتصادية المتواجدة وعدم خلق أخرى جديدة، الهدف من ذلك إزالة كل الحواجز التي من شأنها الحد من الهجوم على أسواق الخدمات. لن يكون لهذه الاختبارات دور في حماية قطاعات الدول النامية، فهشاشة اقتصادياتها تجعلها تفتقد لقوانين منظمة تمكنها من وضع اختبارات الحاجات الاقتصادية لحماية أسواقها.
[9]  المادة 7: reconnaissance
تتيح هذه المادة للدول الأعضاء بمنظمة التجارة العالمية الاعتراف بالشواهد والدبلومات الممنوحة للمستفيدين باعتماد مقاييس تحدد عبر اتفاقيات تسوية يبرمها بلد من بلدان أخرى من المنظمة أو تحدد من طرف بلد واحد بشكل مستقل. وتلزم هذه المادة على البلدان المعنية إخبار مجلس تجارة الخدمات مسبقا بهذه المقاييس سواء حددت بالطريقة الأولى أو الثانية (من هنا يعطى لمجلس تجارة الخدمات دور المراقب والمشرف ودور الحكم)، تلزم هذه المادة على البلدان المعنية:
1-   يجب على بلد معين توفير شروط مناسبة، للموردين المانحين للديبلومات، للتفاوض حول إمكانية القبول بدبلوماتها على أرضه والاعتراف بها. الشروط المناسبة تعني محاولة إزالة كل العراقيل التي من شأنها تعقيد استفادة حامل الشهادة من العمل خارج البلد الذي حصل فيه على الدبلوم (يمكن لهذا الأخير أن يكون محصَّلا عليه عبر تكوين إلكتروني).
2-   تحديد المعايير الأساس Normes de fond للدبلوم يعتبر صاحبه حاملا لمؤهلات ومهارات أساسية معترف بها مهما كان بلده الأصلي. كيف ستحدد هذه المعايير الأساس؟ من سيؤشر عليها؟ أسئلة لا تجيب عليها المادة. الإجابة تبقى من مهمة البلدان المعنية بالمتاجرة في التعليم والتكوين. فمثلا يعمل الاتحاد الأوروبي عبر برنامج سقراط-ليوناردو دافينتشي على صياغة معايير أساس لفئات متنوعة من الديبلومات، فكل دبلوم مستوفي لهذه المعايير يصبح معترفا به في كل بلد من بلدان الاتحاد الأوروبي دون الحاجة إلى اتفاقية جماعية أو ثنائية (يعمل برنامج سقراط-ليوناردو دافينتشي على تفعيل استراتيجية التعليم مدى الحياة مرتكزا على تكنولوجيا الإعلام والتواصل، لتأهيل العمال والمتعلمين لسوق الشغل وتسهيل حركتهم بين بلدان الاتحاد الأوروربي).
3-   التعاون مع المنظمات العبر الحكومية والغير الحكومية الكفؤة لتحديد المعايير والشروط الدولية للاعتراف بتكوين أو خبرة مكتسبة، شهادة أو دبلوم ممنوح. ماذا يقصد بالكفاءة؟ من سيحدد كفاءة هذه المنظمات؟ لن يكون سوى مجلس تجارة الخدمات.
-------------------------------------------------------------------
مقال نقلناه من مجلة ممكن العدد الثاني مجلة تصدرها جمعية أطاك المغرب
www.maroc.attac.org