ميكائيل لووي
ترجمة : الخراز عبد المنعم.
عضو أطاك المغرب ـ مجموعة تطوان
بذلت بعض القوى الحية جهدا كبيرا للتوفيق بين المنتدى
الاقتصادي بدافوس والمنتدى الاجتماعي العالمي ببورتو أليغري، بحجو أن للإثنين نفس
الهدف وهو أنسنة الاقتصاد العالمي. بالنسبة لي أعتقد ـ ولست وحيدا في هذا الاعتقاد
ـ أن دافوس وبورتو أليغري يقدمان منظورين تاريخيين متقابلين، مشروعين حضاريين
مضادين، وواقعين اجتماعيين متناقضين.
فالقرن الجديد الذي يبدأ في يناير 2001 عليه الاختيار
بين مسارين: إن "طريقا ثالثا" مزعوما لا وجود له.
بدافوس تستعمل كلمة "حوار" وقد أبانت
المحادثات عبر الأقمار الاصطناعية بين المشاركين في المنتديين استحالة هذا الحوار:
وسبب ذلك ببساطة غياب لغة مشتركة بينهما، فالمشاركون
ببورتو أليغري يعيشون في رحاب العالم الواقعي، بينما الناطقين باسم منتدى دافوس
يعيشون في عالم آخر، عالم السوق الحرة غير المنظمة التي ستحمل معها السعادة
والرفاهية للجميع، كما أن السياسات النيوليبرالية ستضع حدا للبطالة.
فدافوس يجسد النخبة الاقتصادية والسياسية للنظام
الرأسمالي المعولم، بحيث نجد البنكيين، التقنوقراطيين، المقاولين، المضاربين،
الأطر العليا والوزراء ـ يمثلون قلة استثنائية بين هؤلاء ـ الذين يقدمون منافع
الأليغارشية المالية التي تهيمن على السوق العالمي. للأسف وبالرغم من تباعدهم فهم
يتقاسمون نفس التفكير الوحيد، نفس تيمة السلعة، نفس "تأليه السوق" ـ إذا
جاز لنا استعمال مصطلحات لاهوتي التحرير كـ"ليوناردو بوف" Leonardo
Boff أو "فري بيتو" Frei
Betto ـ تأليه جشع يقتضي ضحايا بشرية.
إنهم يمثلون من حيث الجوهر نظام
الرأسمالية النيوليبرالية الفاسدة، اللاإنسانية، المسؤولة عن الفداحات الاقتصادية
كالبطالة والتفاوتات الاجتماعية المهولة. ويكفي التذكير برقم واحد: ثلاثة (3) من
مليارديرات أمريكا الشمالية المصنفين بدافوس يملكون ثروة توازي الناتج الداخلي
الخام (PIB) لاثنين
وأربعين (42) دولة
فقيرة بساكنة ستة مائة (600) مليون نسمة. نظام مسؤول عن سياسات نيوليبرالية تفرض
"تقويم هيكلي" يضحي بميزانية الصحة والتعليم لصالح تأدية الديون
الخارجية. نظام مسؤول عن التدمير السريع للبيئة، عن تلوث للهواء والأرض والبحر،
ونتيجة لضغوط الإتلاف خلال بضع سنوات ستعطينا كارثة بيئية بدرجة لا يمكن تصورها.
نظام يسير بقانون الغاب: حرب الجميع ضد الجميع والنصر للأكثر قوة، الأكثر عنفا،
الأكثر شراسة.
بالمقابل، ماذا يمثل هذا
المشروع الأول لسلطة عالمية مضادة، أي المنتدى الاجتماعي العالمي؟ إنه يمثل الأمل،
المشروع الواقعي والممكن لعالم آخر، لاقتصاد آخر محلي وإقليمي وعالمي يتجه نحو
تلبية الحاجات الاجتماعية، ويحترم التوازن البيئي. المشروع الواقعي والممكن لمجتمع
آخر يعمق قيم المساواة، التضامن، الأخوة، التعاون، ويساعد على التعاضد.
نحن كثيرون في هذا المنتدى،
نعتبر أن الاشتراكية هي البديل الوحيد الحقيقي الجذري الموجود الذي لا مفر منه،
ولكن نحن متحدون مع أصدقائنا الذين لا يتقاسمون معنا هذا الخيار، للنضال من أجل
مطالب واقعية ومباشرة: ضريبة توبين على الرأسمال المضارباتي، إلغاء الديون
الخارجية، إلغاء ما يسمى "الجنات الضريبية"، الإصلاح الزراعي، فوائد
التأخير على المواد المعدلة وراثيا (OGM). فمنتدى بورتو أليغري يمثل مشروع آخر للديمقراطية
الحقيقية التي تعمق المشاركة الحية للناس. ديمقراطية جربت لمدة اثنا عشر سنة
ببورتو أليغري واثنتان في ولاية "ريو غراندي دوسول" وبدون شك ستتأصل
مستقبلا بـ"ساوباولو".
فرئيس سويسرا افتتح منتدى
دافوس، وصرح بكل وقاحة أن دافوس يمثل رؤساء حكومات منتخبة، بينما في بورتو أليغري
نجد المنظمات غير الحكومية ليست منخبة. فمن انتخب "بيل غيتس" رئيس أكبر
شركة متعددة الجنسية في العالم؟ وهل من مراقبة للمواطنين على الشركات المتعددة
الجنسية أو علة حركات الرأسمال المضارباتي؟ بدون الحديث عن أهم حكومة ممثلة بدافوس
حكومة الولايات المتحدة الأمريكية المنتخب رئيسها ليس عن طريق شعب أمريكا
الشمالية، بل عبر قضاة المحكمة العليا.
من هنا فالسلطة المضادة
العالمية لا تنمو ولا تكبر وتعطي نتائج مهمة بدون تأصيلها في الواقع الملموس
المحلي من خلال تجارب التسيير الديمقراطي المحلي والمقاومة. ويجب التنويه بمثالين
للحركات الاجتماعية المنخرطة بشكل فعال في مشروع منتدى بورتو أليغري: كونفدرالية
الفلاحين (جوزيه بوفي) (Josè Bovè)
وحركة المزارعين بدون أرض بالبرازيل (MST). فالإثنين يعرفان قوتهما
لأنهما يقومان على أساس تجاربهما المحلية، والحاجات المحلية والمقاومات المحلية.
إنها حركات جذرية وهذا يعني أنها حركات تصل إلى عمق المشاكل، فخلال بضع أيام قدموا
لنا أهم عبرة في التجذر، التي تنتزع من الأصل فساد زراعة المواد المعدلة ـ في هاته
الحالة من طرف الشركة المتعددة الجنسية "مونصانتو" Monsanto.
وخلاصة القول، فإنه من المؤكد
أن بعض الجهات من الصحافة النيوليبرالية، ومن أجل بث البلبلة تنعتنا
بـ"مناهضي العولمة" فالهدف هو محاولة التشويه الإعلامي بشكل مقصود. هاته
الحركة، وهذا المنتدى، ليسا قطعا لـ"مناهضي العولمة" بل هؤلاء ضد هذا
العالم الرأسمالي، النيوليبرالي، اللاإنساني، وغير العادل، ويبحثون من أجل بناء
عالم آخر، متضامن، وأخوي. هذا العالم الجديد ربما بدأ ببورتو أليغري في يناير
2001.
من أرشيف مجموعة تطوان لجمعية أطاك المغرب.
